مقالات

أكثر من مجرد قصة في عالم الألعاب

القصة في مفهومها هي سرد لمجموعة مترابطة من الأحداث لها بداية ووسط ونهاية يربطها الراوي بطريقته الخاصة ليجذب المتلقي ويغمره في عالمها ويأسره في ثناياها، ولعل القصص هي أقدم محاولات الإنسان في التعبير عن نفسه وصقل مخيلته الشاسعة في كلمات محدودة ومجردة, وللقصص العديد من الأشكال رافق كل شكل معين عصر من عصور الإنسان, فعلى سبيل المثال نرى هيمنة الأسطورة على أسلوب القصة في فترات كان فيها الإنسان عاجزاً عن فهم ما حوله من ظواهر فلجأ العقل لتفسيرها على أنها ظواهر نتيجة مخلوقات ذات قوة عظيمة, بعضها يتحكم في الرعد وغيرها يتحكم في الكسوف وتحركات القمر.

أما في عصرنا الحالي تبلور نوع جديد من السرد القصصي بفضل التطور التقني, وتقمص شكل فريد من نوعه وأصبح العنصر المتلقي ليس فقط العنصر الخامل في هذه المعادلة بل أصبح عنصراً قادراً على كلاً من التأثير والتأثر في هذا السرد, وليس هذا فقط بل أتاح هذا النوع من السرد إمكانية تقديم عدة مسارات في القصة الواحدة, أي وفقاً للخيارات التي سيحددها ويختارها اللاعب ستتيح له اللعبة التقدم في مسار محدد من عدة مسارات موضوعة، وبهذا فإن كل لاعب قد يتأثر بسرد قصصي مختلف بحسب المسار الذي تم وضعه فيه، قد يكون مسار مأساوي أو مسار مرضي أو سعيد, نتيجة مختلفة تماماً عن لاعب آخر قد تأثر بسرد قصصي في مسار معين.

وبهذا نرى بأن السرد القصصي للألعاب الإلكترونية قد يكون النقلة النوعية الأولى في مراحل تطور القصة عبر التاريخ وذلك منذ أن بدأ الإنسان في الجموح في مخيلته, وعبر هذه المقالة نسلط الضوء على بعض الألعاب التي لا تحكي قصة فحسب، بل إنها تدعوك إلى خوض تجارب لا تكون فيها مجرد متفرج، بل جزءًا من نسيج هذا السرد الرائع.

صدع في الواقع لملحمة الأبعاد المشهورة Half-Life

صورة من هالف لايف فريمان يحمل شوت جان

لقد أحدثت لعبة Half-Life، التي غالباً ما يُنظر إليها على أنها العنوان الأضخم لشركة Valve والتي تم إصدارها في عام 1998، ثورة في مشهد الألعاب من خلال نهجها الرائد في سرد القصة.

لعبة الخيال العلمي البحتة هذه، الممزوجة بعناصر الرعب، تمهد الطريق لرحلة لا مثيل لها مع Gordon Freeman، عالم الفيزياء الأكثر شهرة في تاريخ الألعاب، في الوقت الذي يجتاز فيه اللاعبون الممرات السرية لمختبرات Black Mesa على متن القطار، يتم تعريفهم بمهارة بالعالم عالي المخاطر الذي يسكنه فريمان.
التجربة التي انحرفت عن مسارها ليست مجرد نقطة حبكة؛ إنه المحفز لسرد غامر يتم تجربته بالكامل من خلال عيون فريمان، كما أن غياب المشاهد السينمائية، وهو خروج صارخ عن معايير عصرها، يدفع اللاعبين إلى تجربة مستمرة وغير منقطعة، مما يزيد من مشاعر العزلة والتشويق.

  لا تكمن عبقرية السرد في Half-Life في قصتها فحسب، بل في كيفية سردها من خلال الإشارات البيئية الغامضة، وإشارات الإستفهام العديدة حول هذا العالم وشخصياته، والفوضى التي تتكشف بعد ذلك، وهذا المزيج المتقن من السرد القصصي وطريقة اللعب يعزز مكانة Half-Life كعمل أساسي يجب على كل عشاق الألعاب تجربته، لفهم تأثيره العميق على إمكانيات السرد داخل ألعاب الفيديو.

رحلة الهروب إلى العزلة في Firewatch

صورة من لعبة فايرواتش و المرصد

Firewatch، جوهرة من الاستوديو المستقل Campo Santo تم إصدارها في عام 2016، تصنف لعبة المغامرة هذه من منظور الشخص الأول على أنها بما يسمى “محاكي المشي” حيث يقوم اللاعب بالاستكشاف والتفاعل ضمن محيطها الجذاب، تبدأ باختيارات مؤلمة تحدد الخلفية الدرامية لبطل الرواية Henry، وخاصة علاقته المعقدة مع زوجته.
أحدثت هذه القرارات الأولية نغمة عاطفية عميقة، مما يدفع هنري إلى البحث عن العزلة كمرصد للحرائق في برية Wyoming الساحرة، يعد هذا المحيط بمثابة خلفية لقصة من الغموض والألغاز والوحدة، والتي يتم تسهيلها من خلال رابط هنري الوحيد بالعالم الخارجي: اتصاله اللاسلكي مع Delilah، مديرته والمشرفة لهذه المراصد.

 يكمن تألق اللعبة في قدرتها على صياغة قصة شخصية وواسعة، وتغلف اللاعبين في جو من العزلة والجمال، وعلى الرغم من رسوماتها المتواضعة إلى حد ما، إلا أن Firewatch تأسر القلوب بألوانها النابضة بالحياة، حيث ترسم صورة غامرة للعالم الطبيعي.

صورة من لعبة فايرواتش مع بوصلة و خريطة


كما يعمل التمثيل الصوتي المتقن والحوار الديناميكي على زيادة إثراء التجربة، مما يضمن في كل إعادة للعبة طبقات جديدة من القصة. Firewatch ليست مجرد لعبة؛ إنها استكشاف للوحدة والتواصل والحالة الإنسانية، وتقدم تجربة فريدة تتطلب إعادة النظر فيها لتقدير عمقها الفني والعاطفي بشكل كامل.

سفر إلى عوالم بلا رحمة مع Elden Ring

لعبة تقمص أدوار RPG من العيار الثقيل من شركة FromSoftware تم إصدارها في عام 2022، تندرج تحت مسمى قد أطلق على هذا النوع من الألعاب المعروف بألعاب ال”Souls” وهو مسمى نسبةً للعبة Dark Souls التي تم إصدارها في عام 2011 من الاستديو ذاته .

تشتهر هذه الألعاب بتحديها الصارم، حيث تختبر مهارات اللاعبين من خلال أسلوب لعبهم الذي لا يرحم. يمكن أن يُعزى ظهور هذا النوع ونجاحه إلى الفترة التي كانت فيها الصناعة مشبعة بألعاب تفتقر إلى التحدي الحقيقي، أنتجت شركة FromSoftware العديد من العناوين في هذا السياق، ولكل منها طابعها الفريد.
  تعد لعبة Bloodborne، بأجوائها القوطية الفيكتورية، من الألعاب المفضلة لدى عشاق ال “Souls”، وكذلك Sekiro التي تنقل اللاعبين إلى اليابان القديمة، خلال عصر الساموراي، بينما تغمرهم سلسلة Dark Souls في أجواء القرون الوسطى، تشترك كل هذه الألعاب في خيط مشترك مع Elden Ring، لكن ما يميز الأخيرة هو قصتها التي شارك في تأليفها جورج آر آر مارتن المعروف بسلسلة Game of Thrones.

ومن المثير للاهتمام أن القصة في Elden Ring ليست العنصر الرئيسي أي أنها موجودة للاستكشاف ولكنها لا تهيمن على طريقة اللعب، وسيجد اللاعبون الذين يتعمقون في القصة وتفصيلاتها كم هائل من المعلومات، حيث لكل سلاح وقطعة درع قصته الخاصة. يخلق عمق السرد هذا فضولاً لا يشبع بين اللاعبين، مما يدفعهم إلى منصات مثل YouTube وReddit للحصول على التوضيحات والتحليلات من باقي اللاعبين.

ومن الطرائف في مجتمع ألعاب السولز بأنه مع كل لعبة جديدة أو إضافة جديدة من FromSoftware سيتمكن أصحاب المحتوى والقنوت الخاصة بألعاب السولز من دفع الإيجار للشهور القادمة, والدليل على ذلك أن شروحات القصة الشاملة من إحدى القنوات المختصة في شرح قصة اللعبة يمتد لأكثر من 13 ساعة على YouTube، حيث أن العالم المفتوح الذي يعد خروجاً عن سابقاتها من ألعاب السولز يثري رواية القصة، ويقدم العديد من المسارات والزوايا للتفاعل مع السرد.
تعد Elden Ring بلا شك واحدة من أكثر القصص إثارةً في عالم الألعاب، حيث تقدم تحدياً يجب على كل لاعب تجربته مرة واحدة على الأقل.

Undertale وما بين الإنسانية والوحشية

Undertale هي لعبة تبادل أدوار ثنائية الأبعاد تم تطويرها بشكل مستقل من قبل شخص واحد فقط Toby Fox وتم إصدارها في عام 2015. تعد قصة تطوير اللعبة بمثابة قصة في حد ذاتها، حيث استغرق إكمالها 32 شهراً، ويشمل ذلك قصة اللعبة وشخصياتها وموسيقاها وبرمجتها. مع أكثر من 1000 سطر من التعليمات البرمجية البسيطة أغلبها عبارة عن نقل بين حوار وآخر والتي تملي خيارات وأحداث مختلفة، ورسومات بسيطة مع مساعدة خارجية في بعض رسومات الشخصيات ، برزت Undertale كواحدة من أكثر الألعاب شهرة في العقد الماضي، وتتمتع بشعبية واسعة النطاق.

إن الجوهر الحقيقي لـ Undertale يكمن وراء سطحها. قد يؤدي عرض رسوماتها الأساسية ثنائية الأبعاد وأسلوب اللعب، الذي يذكرنا بمراحل بدائية في عالم الألعاب، إلى لاعب غير مطلع إلى عدم التصديق فيما يتعلق بإصدارها عام 2015 ونجاحها الكبير.

  ومع ذلك، فإن سحر Undertale لا يكمن في رسومها ولكن في روحها وشغفها، الذي ينافس حتى أكبر عناوين AAA ذات الميزانيات العالية. اللعبة غنية بالتفاصيل، وتضم مجموعة من الشخصيات ذات روح الدعابة الفريدة والغريبة. إن قصتها المتطورة والعميقة، جنباً إلى جنب مع عالم جذاب وموسيقى لا تُنسى، تخلق تجربة مميزة. في حين أن الرسومات أو أسلوب اللعب قد يردع البعض، فإن Undertale تقدم تجربة منعشة ومميزة أعادت تنشيط مشهد الألعاب العالمي، مما يثبت أن الشغف والإبداع يمكن أن ينتصرا على التوقعات التقليدية للرسومات عالية الجودة واللعب المعقد. في عالم Undertale، تسود البساطة، وتجسد القول المأثور “Content is king”.

صورة من طريقة لعب اندرتيل

أثناء رحلتنا عبر القصص الجذابة لـ Half-Life وFirewatch وElden Ring وUndertale، من الواضح أن رواية القصص في ألعاب الفيديو توفر تجربة فريدة وقوية. تسلط هذه الألعاب الضوء على نطاق واسع من السرد القصصي التفاعلي، بدءاً من الاستكشاف والغموض والعمق العاطفي وحتى التحديات الصعبة والروايات المبتكرة. تعبر هذه الألعاب عن إبداع وشغف مطوريها، مما يجعلنا نقدر ونحترم هذه التجارب الغامرة التي يقدمونها. بينما نتطلع إلى القصة الرائعة التالية التي ستدعونا للمشاركة والاستكشاف في طيات عالمها الرائع.

Eyad Al Rahabi

أعمل في مجال الألعاب لأكثر من خمس سنوات، مع خبرات متنوعة تبدأ من إدارة المجتمعات إلى التصميم والتجريب وحتى الكتابة.
زر الذهاب إلى الأعلى